كيف تعيش السحالي في صحراء الإمارات؟ دليل مبسّط لعالم الزواحف الصغيرة
الفئة: جنرال لواء

إذا مشيت يوماً على رمال الصحراء في الصباح الباكر، فربما لمحت سحلية صغيرة تركض بسرعة ثم تختفي خلف شجيرة أو تحت صخرة قبل أن تتمكن من رؤيتها جيداً. هذه المخلوقات الصغيرة تعيش حولنا أكثر مما نتخيل، في الكثبان والجبال والسواحل، بل وفي حدائق بيوتنا أيضاً.

في هذا المقال نأخذك في جولة سهلة داخل عالم السحالي في الإمارات ومنطقة الخليج: أين تعيش، وما أشهر أنواعها، وكيف تنجح في البقاء وسط حرارة قد تتجاوز خمسين درجة مئوية في الصيف، ولماذا يهمنا وجودها أصلاً.

السحالي: سكان الصحراء الذين لا ننتبه إليهم

تنتمي السحالي إلى الزواحف، وهي حيوانات من ذوات الدم البارد، أي أنها لا تُنتج حرارة جسمها بنفسها كما يفعل الإنسان، بل تعتمد على حرارة البيئة من حولها. لذلك تراها أحياناً مستلقية تحت أشعة الشمس في الصباح لتدفئ جسمها، ثم تهرب إلى الظل عندما يشتد الحر.

وتضم شبه الجزيرة العربية تنوعاً لافتاً من السحالي، يختلف في الحجم والشكل والسلوك. فبعضها لا يتجاوز طوله بضعة سنتيمترات، وبعضها الآخر قد يصل إلى أكثر من متر مثل الورل. هذا التنوع ليس صدفة، بل هو نتيجة آلاف السنين من التكيّف مع بيئات مختلفة تماماً.

أين تعيش السحالي في الإمارات والخليج؟

لا تعيش جميع السحالي في المكان نفسه، فلكل نوع بيئة تناسبه. ويمكن تقسيم أهم موائلها في المنطقة على النحو التالي:

• الكثبان الرملية والسهول المفتوحة: حيث الظل قليل والرمال الناعمة تسمح لبعض الأنواع بالحفر والاختباء بسرعة.

• الجبال والأودية: مثل جبال الحجر وأوديتها، حيث توفر الشقوق والصخور أماكن آمنة للاحتماء من الحر والمفترسات.

• المناطق الساحلية والسبخات: وفيها نباتات تتحمل الملوحة، ورمال وصخور مكشوفة تعيش بينها أنواع متخصصة.

• المدن والحدائق: فالجدران والأشجار والإضاءة الليلية التي تجذب الحشرات تجعل بعض السحالي ضيوفاً دائمين قرب البيوت.

أشهر أنواع السحالي في المنطقة

رغم كثرة الأنواع، هناك مجموعة من السحالي يعرفها كثير من سكان الخليج بالاسم، وقد يكون بعضها جزءاً من ذكريات الطفولة والرحلات البرية.

ومن أبرز هذه الأنواع أيضاً الورل الصحراوي، وهو من أكبر السحالي في المنطقة، ويتميز بجسمه الطويل ولسانه المشقوق الذي يستخدمه لتتبّع روائح فرائسه. ويقطع الورل مسافات طويلة بحثاً عن الطعام، ويتغذى على القوارض والحشرات وأحياناً على سحالي أصغر منه.

الضب: نباتي الصحراء الصبور

يُعد الضب من أشهر زواحف الجزيرة العربية وأكبرها حجماً بين السحالي النباتية. يتميز بذيله الشوكي القوي الذي يستخدمه للدفاع عن نفسه، ويعيش في جحور عميقة يحفرها في الأرض الصلبة. وعلى عكس معظم السحالي، يعتمد الضب في غذائه بشكل رئيسي على النباتات والأعشاب الصحراوية، ويحصل على جزء كبير من حاجته للماء من هذه النباتات.

الأبراص: متسلقو الجدران الليليون

الأبراص (أو الوزغ كما يسميها البعض) هي السحالي التي نراها غالباً على جدران البيوت ليلاً قرب المصابيح. تمتلك كثير منها وسائد دقيقة في أصابعها تسمح لها بالتسلق على الأسطح الملساء، بل والمشي على السقف. وهي نشيطة ليلاً في الغالب، وتتغذى على البعوض والحشرات الصغيرة، مما يجعلها مفيدة أكثر مما يظن الناس.

العظايا الصحراوية (الأجامات)

هذه السحالي تحب الأرض المفتوحة، وتنشط خلال النهار. من أنواعها في المنطقة العظاية العربية ذات الرأس الضفدعي، والعظاية مرقطة الصفار. تراها غالباً واقفة فوق صخرة أو كثيب صغير تراقب ما حولها، ثم تنطلق فجأة بسرعة كبيرة. وبعض أنواعها يغيّر لونه حسب الحرارة أو المزاج أو موسم التزاوج.

سمكة الرمل: سبّاحة الكثبان

اسمها قد يبدو غريباً، لكنها في الحقيقة سحلية من فصيلة السقنقوريات. سُميت بهذا الاسم لأنها تتحرك داخل الرمال الناعمة وكأنها تسبح في الماء، بفضل جسمها الأملس الانسيابي وأنفها المدبب. هذه الطريقة تحميها من حرارة السطح ومن أعين الطيور الجارحة في الوقت نفسه.

أسرار التكيّف مع الحرارة الشديدة

البقاء في الصحراء لا يعني فقط تحمّل الحرارة، بل يعني أيضاً اختيار الوقت والمكان المناسبين لكل نشاط. وتعتمد السحالي على مجموعة من الحيل الذكية، أبرزها:

1. اختيار التوقيت: بعض الأنواع تنشط في ساعات الصباح الأولى وقبيل الغروب، بينما تفضّل أنواع أخرى مثل الأبراص الخروج ليلاً حين تنخفض الحرارة.

2. الاختباء في الجحور والشقوق: درجة الحرارة داخل جحر تحت الأرض أقل بكثير من حرارة سطح الرمل، وهذا ما يجعل الجحور ملاذاً مثالياً في ساعات الظهيرة.

3. تقليل ملامسة الرمل الساخن: قد تلاحظ أن بعض السحالي ترفع أقدامها بالتناوب عن الأرض، أو تقف مرتفعة على أطرافها لتبعد جسمها عن السطح الحار.

4. توفير الماء: تحصل كثير من السحالي على حاجتها من الماء من طعامها، سواء كان حشرات أو نباتات، وتفقد القليل منه عبر جلدها المغطى بالحراشف.

5. التمويه بالألوان: تحمل معظم السحالي الصحراوية ألواناً قريبة من لون الرمل أو الصخور التي تعيش عليها، فتختفي عن أعين المفترسات بمجرد أن تتوقف عن الحركة، وهذا يفسر لماذا يصعب علينا رؤيتها حتى وهي قريبة منا.

هذه التكيّفات تجعل السحالي من أنجح الكائنات في العيش ضمن واحدة من أقسى البيئات على وجه الأرض.

دور السحالي في التوازن البيئي

قد تبدو السحالي صغيرة وغير مهمة، لكنها في الواقع حلقة أساسية في السلسلة الغذائية. فهي تتغذى على أعداد كبيرة من الحشرات مثل الخنافس والجراد والنمل والبعوض، مما يساعد على الحد من انتشارها بشكل طبيعي.

وفي المقابل، تُعد السحالي غذاءً مهماً لعدد من الحيوانات الأكبر، مثل الطيور الجارحة والثعالب والأفاعي. ولو اختفت السحالي من بيئة ما، لتأثرت هذه الحيوانات بدورها، واختل التوازن الذي تقوم عليه الحياة الصحراوية.

لكن هذه الكائنات تواجه اليوم تحديات حقيقية، أبرزها فقدان الموائل بسبب التوسع العمراني، وتجزئة المناطق الطبيعية، وقيادة المركبات العشوائية فوق الكثبان، إضافة إلى صيد بعض الأنواع مثل الضب. ولهذا تولي الجهات البيئية في دول الخليج اهتماماً متزايداً بحماية المحميات الطبيعية والأنواع المهددة.

كيف نتعامل مع السحالي إذا صادفناها؟

معظم السحالي التي نصادفها في المنطقة لا تشكّل خطراً على الإنسان، وهي تميل إلى الهرب بدلاً من المواجهة. ومع ذلك، هناك قواعد بسيطة تضمن سلامتك وسلامتها:

• لا تحاول الإمساك بالسحلية أو مطاردتها، فقد تعضّ دفاعاً عن نفسها، وبعضها يفقد ذيله عند الإمساك به.

• إذا دخلت سحلية إلى البيت، افتح لها باباً أو نافذة واتركها تخرج بهدوء.

• علّم الأطفال مراقبة السحالي من مسافة آمنة بدلاً من إيذائها أو اللعب بها.

• في الرحلات البرية، التزم بالمسارات المحددة وتجنّب العبث بالجحور والصخور التي تحتمي بها الحيوانات.

• اغسل يديك جيداً إذا لمست أي زاحف، لأن بعض الزواحف قد تحمل بكتيريا مثل السالمونيلا.

خلاصة: كائنات صغيرة بدور كبير

السحالي ليست مجرد مخلوقات سريعة تختفي بين الصخور، بل هي جزء أصيل من طبيعة الإمارات والخليج، وشاهد حي على قدرة الكائنات على التكيّف مع أصعب الظروف. ومن خلال فهمنا لها واحترامنا لبيئتها، نساهم في الحفاظ على التنوع الحيوي الذي يميز صحراءنا وجبالنا وسواحلنا.

في المرة القادمة التي تلمح فيها سحلية تتشمّس فوق صخرة أو تتسلق جدار حديقتك، توقّف لحظة وتأمّلها، فأنت تنظر إلى واحدة من أذكى قصص البقاء في الصحراء العربية.

10 Oct, 2026 0 2
how-lizards-survive-and-support-wildlife-in-the-uae-saudi
ردود الفعل
@ 2026 www.arablocal.com All Rights Reserved
@ 2026 www.arablocal.com All Rights Reserved