عوائد السندات تقفز إلى أعلى مستوياتها منذ عقود: لماذا تربك تكاليف الاقتراض المرتفعة الأسواق العالمية؟
الفئة: المالية

دخلت أسواق السندات العالمية مرحلة جديدة من الضغوط مع صعود العوائد طويلة الأجل إلى مستويات لم تُسجل منذ عقود، وسط تصاعد المخاوف بشأن التضخم وارتفاع أسعار الطاقة والأوضاع المالية الحكومية. وبالنسبة للمتداولين، لا تقتصر تداعيات هذه التحركات على سوق الدخل الثابت، بل تمتد إلى الأسهم والدولار والذهب وتقييمات الأصول العالمية.

قفز عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عامًا، يوم الثلاثاء 18 أغسطس، إلى نحو 5.326%، وهو أعلى مستوى له منذ قرابة عقدين، فيما ارتفع عائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات إلى نحو 4.74%. وتأتي هذه القفزة رغم تراجع توقعات الأسواق بشأن رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة في سبتمبر، ما يكشف عن انفصال لافت بين توقعات السياسة النقدية قصيرة الأجل وتكاليف الاقتراض طويلة الأجل.

لماذا ترتفع عوائد السندات؟

تتداخل عدة عوامل وراء موجة البيع الحالية. ففي الولايات المتحدة، تتزايد مخاوف المستثمرين بشأن العجز المالي وحجم إصدارات الديون، بالتزامن مع تنامي احتياجات الشركات التمويلية، بما في ذلك الاستثمارات الضخمة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والبنية التحتية لمراكز البيانات. كما أن ضعف الطلب في بعض مزادات الديون زاد الضغوط على الطرف الطويل من منحنى العائد.

وفي الوقت نفسه، أعادت أسعار الطاقة مخاطر التضخم إلى الواجهة. فقد ارتفع خام برنت إلى نحو 91.26 دولارًا للبرميل في 18 أغسطس مع انتهاء وقف إطلاق النار المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران وتصاعد المخاوف بشأن الإمدادات.

ارتفاع النفط قد ينعكس على تكاليف النقل والإنتاج وأسعار المستهلكين، ما يخلق معادلة معقدة: البيانات الاقتصادية الأمريكية الأضعف تقلل الحاجة إلى مزيد من التشديد النقدي، بينما قد تؤدي أسعار الطاقة المرتفعة إلى إبقاء التضخم أعلى لفترة أطول.

الاحتياطي الفيدرالي والعوائد يتحركان في اتجاهين مختلفين

رغم ارتفاع العوائد طويلة الأجل، تشير تسعيرات الأسواق إلى احتمال يقارب 65% لإبقاء الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير في سبتمبر، مقابل نحو 35% لاحتمال رفعها. كما أظهر استطلاع حديث لرويترز أن غالبية الاقتصاديين تتوقع بقاء الفائدة دون تغيير حتى نهاية العام.

وهنا تكمن إحدى أبرز مفارقات السوق: تراجع احتمالات رفع الفائدة لا يعني بالضرورة انخفاض العوائد طويلة الأجل، التي تتأثر أيضًا بالتضخم والاقتراض الحكومي وحجم إصدارات الديون.

"ارتفاع العوائد لا يعكس توقعات الفائدة وحدها، بل إعادة تسعير أوسع لمخاطر التضخم والدين. لذلك قد يمتد الضغط إلى الأسهم والذهب والعملات حتى لو توقفت البنوك المركزية عن التشديد. وفي هذه البيئة، تصبح إدارة المخاطر أهم من ملاحقة تحركات السوق قصيرة الأجل".

وائل مكارم، كبير استراتيجيي الأسواق المالية، Exness

الضغوط تمتد إلى الأسواق العالمية

الارتفاع ليس ظاهرة أمريكية فقط. ففي اليابان، لامس عائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات 2.945%، وهو أعلى مستوى منذ 1996، فيما بلغ عائد السندات لأجل 30 عامًا نحو 4.115%. وجاء ذلك وسط مخاوف التضخم وتنامي التكهنات بإمكانية تشديد بنك اليابان سياسته النقدية مجددًا.

وتنعكس العوائد المرتفعة مباشرة على الأسهم، إذ تزيد جاذبية أدوات الدخل الثابت وتجعل التقييمات المرتفعة، خصوصًا لأسهم التكنولوجيا والنمو، أكثر صعوبة في التبرير. وفي آسيا، تراجع مؤشر نيكاي الياباني بنحو 2.2%، فيما خسر مؤشر كوسبي الكوري الجنوبي 2.1% خلال تعاملات الثلاثاء.

الذهب والدولار أمام معادلة معقدة

تراجع الذهب الفوري 0.4% إلى 4,397.42 دولارًا للأونصة، إذ تزيد العوائد المرتفعة تكلفة الفرصة البديلة لحيازة المعدن الذي لا يدر فائدة. ومع ذلك، تواصل المخاطر الجيوسياسية توفير دعم للطلب على الملاذات الآمنة.

أما الدولار، فلم يستفد بصورة كاملة من ارتفاع عوائد السندات، إذ ظل قريبًا من أدنى مستوياته في عدة أشهر مع تراجع رهانات رفع الفائدة. وبلغ احتمال رفع الفائدة في سبتمبر نحو 35%، مقارنة بـ52.2% قبل أسبوع.

نظرة إلى الأمام

ستظل أسعار النفط، والتضخم، وتوقعات الاحتياطي الفيدرالي، وإصدارات الديون والتطورات الجيوسياسية المحركات الرئيسية لأسواق السندات.

وبالنسبة للمتداولين، لم يعد السؤال مقتصرًا على ما إذا كان الاحتياطي الفيدرالي سيرفع الفائدة مجددًا، بل أصبح أكثر اتساعًا: هل تستطيع العوائد طويلة الأجل مواصلة الارتفاع حتى في حال توقف البنوك المركزية عن التشديد؟

وقد تكون الإجابة أحد أهم العوامل التي تحدد اتجاه الدولار والذهب والأسهم وأسواق السندات العالمية خلال الأسابيع المقبلة.

19 Aug, 2026 0 16
bond-yields-gulf-markets-impact-saudi
ردود الفعل
@ 2026 www.arablocal.com All Rights Reserved
@ 2026 www.arablocal.com All Rights Reserved